التخطي إلى المحتوى

مثلما استقبلهم في الافتتاح، ودع ملتقى الشارقة الدولي الراوي بدورته الـ22 الذي نظمه معهد الشارقة للتراث، الجمهور بالحفاوة وأجمل النهمات الشعبية المحلية التي كانت يوماً ما أشهر ما يتداوله الناس حتى صارت إرثاً شعبياً كبيراً يدعو إلى الفخر والاعتزاز.
وفي اليوم الختامي، الجمعة، تحدث أكاديميون ومتخصصون ومهتمون وعشاق للفن الشعبي عبر ثلاث جلسات، خاضت الأولى في سحر البحر في إيطاليا وما يكتنزه التراث الشعبي هناك من أسرار وحكايات، وأخذت الثانية الجمهور لا إلى عمق البحر، وإنما إلى أعماق النفس البشرية التي جاورته، أو أبحرت فوقه، ومنها ظهرت أسماء ومسميات وحكايات، وأخطر حكايات البحر في الخليج العربي طيلة قرن.

 

آخر الجلسات جمعت بين الحكايات الشعبية، ومفهوم البحر في الوجدان الشعبي، وأسرار المهنة البحرية للنهامة والرواة والنوخذة، وأدب البحر وأمثاله الشعبية، وطبيعة سكانه. وفي الجلسة قدم الباحثون المشاركون صورة فنية جمالية شعبية بحرية لسكان الإمارات، والعراق، ومصر، والسودان، وأعطت انطباعاً جميلاً عن تقارب وجهات النظر بين جيران البحار في هذه الدول، والتقارب الكبير في تعاطيهم مع مدلولاته، وآثاره.
فضاءات الملتقى شهدت فعاليات أخرى، منها ركن الفنان التشكيلي السعودي عبد العظيم الضامن، الذي اختاره ليكون معرضاً للوحاته التي عنونها «حكايات بحار». وبعد تهنئته باليوم الوطني للمملكة الشقيقة، بيَّن أن موضوع اللوحات هو عن بحار هجر سفينته، لكنها أبت أن تهجر الشواطئ، فبقيت صامدة حتى تهاوت، وتحولت إلى قصة ملهمة يرى الجمهور من خلال فتحات السفينة إطلالة أخرى نحو العالم بروح جديدة مستمدة من روح البحار. وجعل الضامن معرضه متحركاً شارك فيه الجمهور برسم جزء من تفاصيل لوحة كبيرة أخرى بما سمّاه «ألوان السعادة».
الفنان المصري محمد عبد العزيز الأكيابي قدم رؤية جديدة لأسطورة (سلمى وبناتها) البحرية الشعبية الإماراتية، في ورشة جمعت بين التمثيل، وتقنيات خيال الظل، وصاحب ذلك مؤثرات بصرية وسمعية. وأوضح الأكيابي أن الهدف من العرض توثيق تراث إماراتي مهم، وتقديمه للأجيال الجديدة بتقنيات معاصرة، وهو من إخراج أماني محفوظ وتمثيل حسام عبد العزيز، وموسيقى محمد حسني.
ورشة فنية أخرى كانت من نصيب الفنانة الكورية الحكواتية اليشيا (بانغ دانغ جو)، التي أخذت الأطفال في سرد مؤثر لحكاية شعبية عن سبب ملوحة البحر.

 

شكر وتقدير

رفع المشاركون في فعاليات الملتقى أسمى آيات الشكر والعرفان لصاحب السموّ الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة، على ما أولاه سموّه من دعم ورعاية كبيرين للملتقى، وللثقافة الشعبية المحلية والخليجة عامة، وأثر ذلك في نمو الأعمال الفنية الشعبية، وتعزيز التعاون المحلي والعربي والدولي المشترك في هذا المجال.
جاء ذلك خلال اختتام فعاليات الدورة الـ22 لملتقى الشارقة الدولي للراوي الذي أقيم بتنظيم معهد الشارقة للتراث في مركز إكسبو الشارقة، في الفترة بين 21-23 من سبتمبر/ أيلول الحالي تحت شعار «حكايات البحر»، وبمشاركة محلية وعربية وإقليمية لافتة لنحو 160 باحثاً ومتخصصاً في الأدب والتراث الشعبي من 46 دولة، تخللتها إقامة جلسات أكاديمية، وفعاليات فنية شعبية، وورش ترفيهية تعليمية توزعت على أركان الملتقى الذي صمم بطريقة إبداعية انسجمت مع شعار دورة العام الحالي واستقطبت حضوراً كبيراً.
وقال د.عبد العزيز المسلم، رئيس معهد الشارقة للتراث، رئيس اللجنة المنظمة العُليا للملتقى: «تميزت دورة العام الحالي بالكثير من النشاطات، وحازت بما تضمنته من إنجازات إعجاب وثناء المشاركين والمهتمين؛ إذ نستمر في سبر أغوار هذا العالم المدهش المملوء بالحكايات، ولاشك أن كل هذه الإنجازات والمسيرة الحافلة ما كانت لترى النور وتصل إلى العالمية، لولا الدعم الدائم وغير المحدود من قبل صاحب السموّ الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي الذي يذلل الصعوبات، ويسخر كل الإمكانات لنجاح الفعاليات الثقافية، وتأكيد دور الشارقة المؤثر والمشرق في فضاء الثقافة العربية والعالمية».

توصيات

قالت عائشة الحصان الشامسي، مدير مركز التراث العربي التابع للمعهد، والمنسق العام للملتقى:«كانت أيامه الثلاثة حافلة بالنقاش، ُقدّمت خلالها عشرات الأوراق العلمية الرصينة، وبحث فيها المشاركون قضايا متعددة ومتشعبة حول التراث البحري. وسيكون لهذه النقاشات أثرها الإيجابي المبهر الذي يضاف إلى الآثار الإيجابية للأبحاث والإصدارات التي ستشكل لبنات مرجعية وأكاديمية في التراث الشعبي البحري».
ورفعت الشامسي في ختام فعاليات الملتقى عدداً من التوصيات المهمة، من بينها أهمية التسريع بإرساء بنيات رقمية تفاعلية ذاتُ صلة بالرواة والكنوز البشرية الحية المحلية والإقليمية والدولية، وتعزيز وتقوية العمل بمعايير دولية، وتحديداً معايير منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونيسكو»، وتوسيع المواد التراثية وإتاحتها عبر بوابات رقمية تحت إشراف خبراء ومتخصصين في المجال، ورصد التراكم الكمي والكيفي في العمل مع الرواة عبر وضع كشاف ببياناتهم ومهاراتهم وتحديد خصائص مادتهم.
وأوصى الملتقى بتوسيع دائرة مشاركة الأطفال، واليافعين، والشباب، خصوصاً على المستوى المحلي، في فعالياته وتحديداً في سرد الحكايات، وتشجيعهم ورعايتهم ومتابعتهم، من خلال المدرسة الدولية للحكاية التابعة للمعهد.

ولتعزيز العمل العربي المشترك، دعا المشاركون إلى تأسيس اتحاد للعاملين في التراث الثقافي العربي، يضم أعمالهم، ويكون له دور في صون التراث غير المادي. وطالب المشاركون بإعداد دبلوم متخصص في فنون الأداء الشعبي، على أن يركز على فنون الأداء البحري، خصوصاً وأنها مهددة بالانقراض، وأن يتولى هذا الدبلوم إدارة التراث الفني بمعهد الشارقة للتراث.
من جهته، قال أحمد سالم البيرق، مدير إدارة الاتصال المؤسسي في المعهد: «أضافت الشارقة بهذا الملتقى المهم علامة ثقافية فارقة أخرى لسجلها الثري بالمنجزات التي تليق باسمها كعاصمة للثقافة العربية الإسلامية، والثقافة العالمية، ونعتقد أن القادم من الأيام سيشهد المزيد من هذا العطاء لا سيما مع اقتراب فعاليات ثقافية كبيرة، وستبقى الشارقة قبلة تجمع المثقفين، وتحتفي بإنجازاتهم، وتضيف للعطاء الإنساني أجمل الصور».
وأضاف أن نجاح الملتقى جاء في ظل عمل مشترك وتنسيق عالي المستوى وتعاون حيوي فعّال، مع الشركاء الاستراتيجيين في مختلف وسائل الإعلام المحلية والعربية والعالمية، كونهم النافذة الواسعة على العالم، لتقديم أفضل مشهد ضمن هذه الرحلة الثقافية التراثية المميزة.
تكريم
تضمن ختام الملتقى تكريم د.عبدالعزيز المسلّم، وعائشة الحصان الشامسي لأبرز الرواة، وفرق فن النهمة المحلية، والجهات الرسمية المشاركة، والرعاة، والضيوف، والمشاركين من داخل الإمارات وخارجها، وصفق الحاضرون طويلاً لدى تكريم ممثلي السعودية مشاركة منهم في يومها الوطني، وتعبيراً عن الأخوة والروابط الوثيقة التي تربط البلدين والشعبين الشقيقين.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *