التخطي إلى المحتوى

لم يعرض الاتفاق على مجلس الوزراء ومجلس النواب اللبنانيين من أجل التصديق (حسين بيضون)

بعد مفاوضات غير مباشرة استمرت نحو عامين، تبلور اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين الحكومة اللبنانية والاحتلال الإسرائيلي تحت وساطة ورعاية أميركية. بعيد الإعلان عن الاتفاق انهالت التصريحات والوعود من قبل المسؤولين اللبنانيين، الذين وصفوا الاتفاق بـ” الإنجاز التاريخي الذي سينقل لبنان إلى مصاف الدول النفطية والغازية”. فتحت كل تلك الوعود الباب أمام حالة تفاؤل، تسللت إلى عدد غير قليل من المواطنين اللبنانيين، وهي حالة مفهومة إلا أنها غير منطقية، حال المتفائل اللبناني اليوم حال الغريق المتعلق بقشة.

في قراءة اتفاق الترسيم، نجد أن الحكومة اللبنانية لم تتنازل عن مساحة 1430 كيلومتراً مربعاً من حقوقها البحرية فقط، بما تتضمنه هذه المساحة من الغاز والنفط والمياه الجوفية الحلوة والثروة السمكية والمجال البحري الحيوي، التي تقدر بمئات مليارات الدولارات، بل تنازلت أيضاً عن ما يقرب من نصف حقل كاريش، الذي باشر الاحتلال فعلياً عملية الاستخراج منه؛ كما يهدد تنازلها إياه، الوضع القائم على الحدود البرية، كون خط الترسيم المتفق عليه لا يتطابق مع هذه الحدود، إنما يتطابق مع شمالها نحو ثلاثين متراً.

من الجلي، أن أخطاء الطرف اللبناني بدأت عند قبول الدخول في مفاوضات غير مباشرة مع الاحتلال تحت رعاية ووساطة أميركية، في حين يملك الطرف اللبناني أدوات وطرقا أكثر نجاعة من التفاوض (سنأتي على ذكرها لاحقاً. قبول الوساطة والرعاية الأميركية)، أعطى الاحتلال أدوات ضغط، ساعدته على تحقيق كامل مطالبه غير المحقة، حتى على مستوى القانون الدولي.
 
كما هو معروف عن الولايات المتحدة، أنها لا تفوت مناسبة إلا وتؤكد من خلالها دعمها والتزامها الكامل بمصالح الاحتلال، في المفاوضات الأخيرة كان الأمر واضحاً ووقحاً، لدرجة ترؤس عاموس هوكشتاين هذه الوساطة، وهو ذو الجنسية الإسرائيلية والمولود في الأراضي الفلسطينية المحتلة، الذي خدم في جيش الاحتلال مدة ثلاث سنوات بين عامي 1992 و1995. 

أكد عاموس هوكشتاين في لقائه مع قناة الحرة في يونيو/حزيران من العام الحالي؛ أن جهوده منصبّة على تحصيل أكبر قدر ممكن من التنازلات اللبنانية، وهو مدرك قوة الملف اللبناني قانونياً وواقعياً، قائلاً” أمتن الملفات الذي يفترض بالجانب اللبناني إعداده هو ما قد ينجح، والحلّ الناجح يقضي الإقلاع عن التفكير هل أملك أفضل قضية قانونية؟ هل أنا في أفضل موقع لي؟”.

دخل لبنان المفاوضات من موقع قوة قانونية وقوة الأمر الواقع، متمسكاً بما يسمى الخط 29؛ الممتد من الحدود البرية في رأس الناقورة، المعتمد من قبل الجيش اللبناني، بناءً على دراسة مقدمة من المكتب الهيدروغرافي البريطاني لترسيم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان عام 2011.

في حين تمسك الاحتلال بالحقوق الاقتصادية والجرف القاري لصخرة” تخليت” غير المأهولة سكانياً، الممتدة على طول 40 مترا وعرض 7 أمتار على بعد 800 متر من الساحل الفلسطيني، بهذا الوصف لا تتمتع الصخرة بوضع الجزيرة، مما يجعل مطلب الاحتلال متعارضاً مع الفقرة الثالثة من المادة 121 من اتفاقية قانون البحار لسنة 1982، التي تنص: “ليس للصخور التي لا تؤمّن استمرار السكن البشري أو استمرار حياة اقتصادية خاصة بها، منطقة اقتصادية خالصة أو جرف قاري”.

خرج لبنان من المفاوضات باتفاق ترسيم حدود مجحف بحق الشعب اللبناني، ومفرط بثرواته الحالية والمستقبلية، أي حقوق الأجيال القادمة، ومنتقصاً من سيادة الدولة، ومحدداً قدرتها على التنقيب والاستثمار.

تنص الفقرة (ج) من قسم الاتفاق الثاني” يتفق الطرفان على أن الكيان القانوني ذا الصلة الذي يملك أي حقوق لبنانية في التنقيب عن الموارد الهيدروكربونية واستغلالها في المنطقة اللبنانية بلوك 9 (مشغل بلوك 9)، يجب أن يتكون من واحدة أو أكثر من الشركات الدولية ذات السمعة الطيبة التي لا تخضع لعقوبات دولية، والتي لن تعيق استمرار التسهيلات الأميركية، وليست شركات إسرائيلية أو لبنانية. تنطبق هذه المعايير أيضاً على اختيار أي خلف أو استبدال لتلك الشركات”.

هذه المادة، تحرم الشركات النفطية اللبنانية محتملة التكوين مستقبلاً، أو الشركات التي تكون الدولة اللبنانية شريكة بها، أو أي شركات تتخذ من لبنان موطناً لها، إمكانية ممارسة نشاطها ضمن مجال لبنان الحيوي. كما تحرم دولة لبنان حرية الاختيار بين مختلف الشركات العالمية، إذ حصرت المادة، دون أي مجال للشك، الشركات المسموح لها بالعمل ضمن البلوك رقم 9 بالشركات المقبولة من قبل الولايات المتحدة، مما يقلل حتماً من التنافسية التجارية بين الشركات الراغبة في الاستثمار في لبنان ضمن البلوك 9، ويحرم العديد من الشركات العالمية، في مقدمتها الصينية والروسية، من الدخول في هذا السباق التنافسي.

أما بالنسبة لادعاء الساسة اللبنانيين، القائمين على الاتفاق والداعمين والمباركين له، حصول لبنان على حقوق اقتصادية كاملة وغير منقوصة من حقل قانا المحتمل (بلوك 9)، دون مشاركة الاحتلال هذه الحقوق أو المكتسبات الاقتصادية، تكذبه الفقرة” هـ” من قسم الاتفاق الثاني، التي تنص:

“يتفهم الطرفان على أن إسرائيل ومشغل بلوك 9 يشاركان بشكل منفصل في مناقشات لتحديد نطاق الحقوق الاقتصادية لإسرائيل في المستقبل. ستحصل إسرائيل على تعويض من مشغل بلوك 9 على حقوقها في أي ودائع محتملة في الفرصة المحتملة، لهذا الغرض، ستوقع إسرائيل ومشغل بلوك 9 اتفاقية مالية قبل قرار الاستثمار المالي النهائي لمشغل بلوك 9. ستعمل إسرائيل مع مشغل بلوك 9 بحسن نية لضمان حل هذه الاتفاقية في الوقت المناسب. لبنان ليس مسؤولاً أو طرفًا في أي ترتيب بين مشغل بلوك 9 وإسرائيل. لن يؤثر أي ترتيب بين مشغل بلوك 9 وإسرائيل على اتفاق لبنان مع مشغل بلوك 9 وعلى الحصة الكاملة من حقوقه الاقتصادية في المستقبل. يتفهم الطرفان أنه رهناً ببدء تنفيذ الاتفاقية المالية، سيتم بعد ذلك تطوير الاحتمال بالكامل بواسطة مشغل بلوك 9 اللبناني حصرياً للبنان، بما يتوافق مع شروط هذه الاتفاقية”.

نتيجة غياب التنافسية التجارية التي ذكرت سابقاً، ستقوم الشركة المحتملة المشغلة حقل قانا باقتطاع حصة الاحتلال المحتملة من أرباح حصة لبنان، سواء كان كامل الحصة أو جزءاً منها،  نص الفقرة الذي يعتبر لبنان ليس مسؤولاً أو طرفًا في أي ترتيب بين مشغل بلوك 9 والاحتلال، تنفيه تتمة الفقرة ذاتها، التي لا تسمح لأي شركة باستثمار الحقل إلا بعد تنفيذ وتحقيق اتفاقية مالية بين الشركة المشغلة المحتملة للحقل والاحتلال، بالتالي لا يمكن لأي شركة مباشرة أعمالها التنقيبية والاستخراجية إلا بعد موافقة الاحتلال على ذلك، لا بل أي شركة ترغب في استثمار بلوك 9، عليها أولاً عقد اتفاق مع الاحتلال قبل عقده مع الحكومة اللبنانية.

من المادتين نستنتج أنه لا يمكن تشغيل حقل قانا إلا بعد موافقة الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي، فعن أي سيادة يتحدثون!! لذلك فإن ادعاء الساسة اللبنانيين غير صحيح، بل هو كذبة يراد بها التضليل الإعلامي والشعبي.

القسم الرابع والأخير من الاتفاقية: فرطت الحكومة اللبنانية بحقها في اختيار المحكمين مستقبلاً، في حال حصول خلاف في تفسير وتنفيذ الاتفاق، وهو احتمال وارد في كافة العقود والاتفاقيات. كون الاحتلال أحد طرفي هذه المعادلة/الاتفاق، يتحول الاحتمال من وارد إلى مؤكد، لما اختبرناه من الاحتلال الإسرائيلي على مدى العقود الماضية، من انتهاكات توسعية وسرقة الموارد والثروات حتى من خارج الأراضي المحتلّة مباشرةً.

حصرت الفقرة” أ” من قسم الاتفاق الرابع التحكيم مستقبلاً بالولايات المتحدة، ما يسمح لها بممارسة دور الخصم والحكم في آن واحد، تنص الفقرة “يعتزم الطرفان حل أي خلافات تتعلق بتفسير وتنفيذ هذه الاتفاقية من خلال المناقشة التي تسهلها الولايات المتحدة. يتفهم الطرفان أن الولايات المتحدة تعتزم بذل قصارى جهدها في العمل مع الطرفين للمساعدة في إنشاء والحفاظ على مناخ إيجابي وبناء على إجراء المناقشات وحل أي خلافات بنجاح في أسرع وقت ممكن”.

في القانون اللبناني

عدم عرض الاتفاق على مجلس الوزراء ومجلس النواب اللبنانيين من أجل التصديق مخالفة دستورية، صحيح أن رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء هما المسؤولان المباشران عن عقد المعاهدات والاتفاقات الدولية، إلا أن ذلك يتطلب موافقة مجلس الوزراء (مادة 52 من الدستور)، كما تنص المادة ذاتها” المعاهدات التي تنطوي على شروط تتعلق بمالية الدولة والمعاهدات التجارية وسائر المعاهدات التي لا يجوز فسخها سنة فسنة، فلا يمكن إبرامها إلا بعد موافقة مجلس النواب”. وهذا ما ينطبق على اتفاقية ترسيم الحدود.

مما سبق نقاشه من بنود الاتفاق يبدو واضحاً؛ أن المسؤولين اللبنانيين، القائمين على الاتفاق والداعمين له، فرطوا في حقوق لبنان ضمن حدوده البحرية وما تحتويه من ثروات متنوعة، وأدت هذه الاتفاقية الى سلخ جزء من المياه الإقليمية والمنطقة الاقتصادية الخالصة اللبنانية، التي تعتبر جزءاً وامتدادا للأراضي اللبنانية، وإعطاء حصة من امتياز لبنان المحتمل من حقل قانا لصالح الاحتلال الإسرائيلي.

بهذا الصدد تنص المادة 277 من قانون العقوبات اللبناني “يعاقب بالاعتقال المؤقت خمس سنوات على الأقل، كل لبناني حاول بأعمال، أو خطاب، أو كتابات، أو بغير ذلك أن يقتطع جزءاً من الأرض اللبنانية، ليضمه إلى دولة أجنبية، أو أن يملّكها حقاً أو امتيازاً خاصاً بالدولة اللبنانية”.

كما تنص المادة 302 عقوبات على “من حاول أن يسلخ عن سيادة الدولة جزءاً من الأرض اللبنانية عوقب بالاعتقال المؤقت أو بالإبعاد”.

إلا أن تجريم قانون العقوبات النظري يصطدم عملياً بالإجراءات القانونية اللازمة لمحاكمة المسؤولين، فمحاكمة الرؤساء والوزراء في لبنان من اختصاص” المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء”، الذي لا يمكن أن يباشر إجراءاته بحق رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء والوزراء إلا بعد توجيه الاتهام من ثلثي أعضاء مجلس النواب (مادة 60 و 70 دستور)، وهي ذات النسبة المطلوبة لانتخاب رئيس الجمهورية، مما يجعل توجيه الاتهام بحق الرئيس ورئيس الوزراء والوزراء ضربا من ضروب المستحيل.

يساهم هذا التعقيد في ترسيخ الفساد والدكتاتورية تحت غطاء قانوني، إذ يضع المسؤولين اللبنانيين في موضع فوق المحاسبة، لذلك لم يحاسب أي مسؤول لبناني، منذ تأسيس المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء حتى الآن، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، قضية مرفأ بيروت.

البدائل التي لم يستفد منها لبنان

صحيح أن لبنان طرف في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، إلا أن الاحتلال الإسرائيلي لم يوقع وينضم إلى هذه الاتفاقية، لذلك من غير الممكن رفع الدعوى أمام المحكمة الدولية لقانون البحار في هامبورغ. كما أن اللجوء إلى التحكيم الدولي لا يتم إلا بموافقة الأطراف المتنازعة على ذلك، وهذا ما لا يقبل به الاحتلال أيضاً.

لذلك من الناحية القانونية لم يكن أمام الحكومة اللبنانية سوى الذهاب إلى محكمة العدل الدولية، التي لن يلزم قرارها الاحتلال إن كان في صالح لبنان، لأن شرط إلزامية قراراتها؛ الاختصاص الإجباري، اتفاق الطرفين على الخضوع لقرارات المحكمة، وهو أمر غير متحقق في هذه الحالة.

لذلك كان على لبنان الاستفادة من التوازنات الدولية والإقليمية، واللعب على التناقضات والتجاذبات التي تنامت في شرق المتوسط، خصوصاً بعد الاكتشافات الغازية والنفطية، والأوضاع العالمية وتحديداً الأوروبية، المضطرة إلى تعويض نقص إمدادات الطاقة بعد قطع الغاز الروسي عنها.

لا ينحصر حق اللبنانيين في الدفاع عن حقوقهم فقط، بل هو، أي الدفاع عن حقوقهم، واجب عليهم تجاه حاضرهم ومستقبلهم، لذا كان لابد من منع الاحتلال من مباشرة تشغيل حقل كاريش، إلى حين التوصل إلى حل منصف لبنانياً، فهذا سبب وجود الجيش اللبناني وما يسمى المقاومة اللبنانية التي أصبح وجودها ووجود سلاحها أزمة داخلية لبنانية، لا سيما أن هذا السلاح ومنذ عام 2006، وجّه صوب قمع وإخضاع الشعب اللبناني، كما ساهم بقمع واضطهاد الشعب السوري، وعندما جاء دوره الفعلي في الدفاع عن حقوق لبنان، لم يكن أكثر من بوق يبرر الخيانة والتنازل.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *